محمد بن صالح الكناني
24
ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان
خبرنا أننا بتراب الساحل . فلما قربنا من باب المهدية احتوشتنا الخدّام ، لكونه مضطرا للإعلام فلما دخلنا عليه قال : من أين أنتما ؟ فقال له أبو الربيع : أنا سليمان ، وهذا عمر الكناني اللذان بعثت إلينا بالوصول . فقال : إن قاضي الجماعة أوقفنا على رسم فيكما ، كما قد علمتما ، فكان من كلام الشيخ سليمان أن قال له : لا تخف من هذا الذي أنت فيه الذين وصلوا لتونس لا يمكثون بها ، وينصرفون عن قريب ، وترجع لتونس في يوم كذا ، من شهر كذا ، فقال له الوزير المذكور : اعرف ما تقول . قال : نعم وودّعناه وانصرفنا ووصلنا للقيروان ، ثم مشينا إلى تونس ، ووصلنا لدار القاضي فقال الشيخان سليمان وعمر للقاضي : نحن على مذهب أهل السّنّة والجماعة ، فأمر القاضي بإيقافهما عملا بالرسم ، فمكثا فيه أزيد من شهرين ، فغارت خيل على تونس ، فأخذوا مواشيهم ، ومن ذلك بغلة القاضي ، فقيل لابن تافراجين وقد كان رجع إلى تونس في الوقت الذي ذكر له ، لا يرد ما أخذت العرب إلا سليمان البربري ، وأبو حفص عمر الكناني ، فبعث القاضي في إطلاقهما فلما وصلا إلى العرب فرحوا بهما فرحا شديدا ، وردوا لهم جميع ما أخذوه إلا بغلة القاضي ، فلم يجدوها فقالا : لا يصدقنا القاضي في أننا لم نجدها ، فما زالا باحثين عليها ، حتى وجدت وخلّصاها وكبر حالهما بتونس ، وأنزلهما ابن تافراجين عنده ، وأمر إذا خرج أن يركبا معه أحدهما عن يمينه ، والآخر عن يساره ، ليعظّما في عيون الفقهاء بتونس . وقال الشيخ ابن ناجي : وكان شيخنا الشبيبي يثني عليهما كثيرا ويقول : إنّ ما شهد به عليهما لا أصل له . قلت : ومن كرامات الشيخ أبي حفص عمر الكناني على ما نقل بالتّواتر عند أهل القيروان ، كافة من تقدم ومن تأخر ، كان مسكنه في حياته هو محل زاويته الآن ، وأتى للمدينة لقضاء حوائجه ، فلما رجع إلى محلّه ، أخذ ثلاثة خبزات من سوق المدينة فلما كان بالطريق صادف لصوصا فافتكوا له الخبزات مع ثيابه ، فلجأ إلى اللّه فيما نزل به منهم . فلما أرادوا تكسيرها ليأكلوها رجعت ثلاثتها صخرا ، فردوا له ثلاثتها وتابوا على يده ، وأن الخبزات الثلاثة عندنا الآن وهي صخرات ، فواحدة منها بها الثوبين ، وواحدة بها محل الكفتين لما أرادوا تكسيرها وثلاثة لها أشهر الأسنان ، لما أرادوا نهشها قلت : وإن الكناني نفعنا اللّه به ، أسلافنا ينتسبون إليه ، ولا أجد من الرسوم ما يوصلنا إليه بالسند . لكن حدثني من أسلافنا أنّ رسومنا تلفت لمّا فرّ ، أوائلنا من القيروان في زمن الباشا حين امتحن أهلها ، وقتل من جملة من قتل جدنا المسمى محمد عيسى ، ففرّ من أهلها أناس إلى تونس ، وأناس إلى